Human Reproduction 5

فهم العقم: التعريفات ونظرة عامة

مقدمة

يُعدّ العقم موضوعًا يجهله كثيرون ويحيط به الكتمان، وهو يمسّ أفرادًا وأزواجًا كثيرين يطمحون إلى الأبوّة والأمومة. لذلك فإن فهم مختلف جوانب العقم أمر بالغ الأهمية لمن يعيشونه، ولمن يرغبون في دعم أحبّائهم ومرافقتهم في هذا المسار الذي كثيرًا ما يكون صعبًا.

ما هو العقم؟

تعرّف منظمة الصحة العالمية (OMS) العقم بأنه «مرض يصيب الجهاز التناسلي لدى الرجل أو المرأة، ويتمثل في عدم القدرة على تحقيق حمل بعد 12 شهرًا أو أكثر من العلاقات الجنسية المنتظمة غير المحمية».

وفقًا لتقرير نشرته منظمة الصحة العالمية في أبريل 2023، يطال العقم 17,5% من البالغين، أي شخصًا واحدًا من بين كل ستة أشخاص في العالم.

من المهم التمييز بين العقم والعقم الدائم (stérilité). فالعقم يعني عدم قدرة زوجين من جنسين مختلفين على إنجاب طفل، ولكن يمكن علاجه وتجاوزه. أما العقم الدائم فلا رجعة فيه، ويتجلى في عدم القدرة التامة على الإنجاب، ولا يمكن تأكيده إلا بعد انتهاء المرحلة الإنجابية من العمر.

ما هو العقم لدى المرأة؟

العقم لدى المرأة هو عدم قدرة المرأة على الإنجاب رغم علاقات جنسية منتظمة غير محمية على مدى فترة طويلة.

ما هو العقم لدى الرجل؟

العقم لدى الرجل هو عدم قدرة الرجل على إحداث حمل لدى شريكته رغم علاقات جنسية منتظمة دون وسيلة منع الحمل على مدى فترة طويلة.

تواصلوا معنا الآن

ما هي الأسباب الرئيسية للعقم؟

غالبًا ما تكون أسباب العقم، سواء عند النساء أو عند الرجال، متعددة ودقيقة. وفهم هذه العوامل أمر حاسم، لأنه يتيح للأزواج الذين يواجهون هذه المحنة الحسّاسة اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن صحتهم الإنجابية وخيارات العلاج المتاحة.

الأسباب الرئيسية للعقم لدى المرأة

    1. الاختلالات الهرمونية: يمكن أن تُخلّ الاختلالات الهرمونية لدى المرأة بالدورة الشهرية وبالإباضة وبوظيفة المبيضين، مما يؤدي إلى صعوبات في الحمل. ومن أمثلتها متلازمة المبيض المتعدد الكيسات (SOPK) وقصور الغدة الدرقية وفرط برولاكتين الدم.
    2. انسداد قناتي فالوب : يشير انسداد قناتي فالوب إلى وجود انسداد أو تلف في القناتين، مما قد يعيق مرور البويضات والحيوانات المنوية، وبالتالي يؤثر في الخصوبة لدى النساء.
    3. بطانة الرحم المهاجرة: بطانة الرحم المهاجرة مرض ينمو فيه نسيج شبيه ببطانة الرحم خارج الرحم، مسببًا آلامًا ومشكلات في الخصوبة لدى النساء. ووفقًا للجمعية الأمريكية للطب الإنجابي (ASRM)، تواجه نحو 30 إلى 40% من النساء المصابات ببطانة الرحم المهاجرة مشكلات في الخصوبة.
    4. التشوهات الرحمية : تشمل التشوهات الرحمية لدى المرأة حالات مثل الأورام الليفية الرحمية والتشوهات الخلقية والالتصاقات، وقد تعرقل الحمل بالتأثير في انغراس الجنين أو بسدّ طريق الحيوانات المنوية.
    5. العوامل المرتبطة بالسن : يمكن أن تسهم العوامل المرتبطة بسن المرأة، ومنها تراجع جودة البويضات وازدياد مخاطر مضاعفات الحمل، في حدوث العقم لأنها تؤثر في القدرة على الحمل.
    6. نمط الحياة : قد تؤثر بعض العادات في الخصوبة لدى المرأة بإخلالها بالدورات الهرمونية وبوظيفة المبيضين. ومنها:

    • التدخين
    • الكحول والمخدرات
    • الوزن الزائد أو نقص الوزن
    • قلة الحركة
    • الحميات القاسية أو الفقيرة بالعناصر الغذائية
    • التوتر

الأسباب الرئيسية للعقم لدى الرجل

    1. مشكلات الحيوانات المنوية : تُعدّ مشكلات الحيوانات المنوية من العوامل الرئيسية للعقم لدى الرجل. ومنها:

    • قلة النطاف (oligospermie): انخفاض عدد الحيوانات المنوية
    • ضعف حركة النطاف (asthénospermie): انخفاض حركة الحيوانات المنوية
    • تشوه النطاف (tératospermie): وجود تشوهات في شكل الحيوانات المنوية

بيّنت دراسة بعنوان «شكل الحيوانات المنوية وحركتها وتركيزها لدى الرجال ذوي الخصوبة والرجال المصابين بالعقم» (Sperm morphology, motility, and concentration in fertile and infertile men)، نُشرت في مجلة «الخصوبة والعقم» (Fertility and Sterility)، أن شكل الحيوانات المنوية وحركتها وتركيزها تختلف اختلافًا ملحوظًا بين الرجال ذوي الخصوبة والرجال المصابين بالعقم، مما يبرز أهمية هذه المعايير للخصوبة لدى الرجل.

    1. الاضطرابات الهرمونية : يمكن أن تُخلّ الاضطرابات الهرمونية لدى الرجل بوظيفة الخصيتين وتؤثر في جودة السائل المنوي، فتسهم بذلك في العقم لدى الرجل. ومنها:

    • قصور الغدد التناسلية: إنتاج غير كافٍ من هرمون التستوستيرون
    • فرط برولاكتين الدم: ارتفاع مستويات هرمون البرولاكتين

    1. المشكلات التشريحية : قد تؤثر بعض المشكلات التشريحية في إنتاج الحيوانات المنوية وفي جودتها وفي نقلها، فتسهم بذلك في العقم لدى الرجل. ومنها:

    • انسداد القنوات الناقلة للحيوانات المنوية: انسداد القنوات التي تنقل الحيوانات المنوية.
    • دوالي الخصية (varicocèle): توسّع الأوردة داخل كيس الصفن، وقد يؤثر في جودة السائل المنوي وفي الخصوبة
    • الإحليل التحتاني (hypospadias): تشوه خلقي يقع فيه فتح مجرى البول على الجهة السفلية من القضيب بدلًا من طرفه.

    1. الالتهابات والعدوى : يمكن أن تُضعف الالتهابات والعدوى جودة السائل المنوي والوظيفة الإنجابية، فتسهم بذلك في العقم لدى الرجل. ومنها:

    • التهابات المسالك التناسلية: مثل التهابات المسالك البولية والأمراض المنقولة جنسيًا (IST).
    • العدوى الفيروسية: مثل الهربس وفيروس نقص المناعة البشرية (VIH).

    1. وجود أجسام مضادة للحيوانات المنوية : يؤدي وجود أجسام مضادة للحيوانات المنوية إلى اضطراب في معايير السائل المنوي، وإلى عدم قدرة الحيوانات المنوية على اختراق مخاط عنق الرحم، وإلى خلل في التفاعل بين البويضات والحيوانات المنوية.
    2. مشكلات العلاقة الجنسية : يمكن أن تعيق هذه المشكلات الحمل بالحدّ من القدرة على الوصول إلى انتصاب كافٍ أو الحفاظ عليه، وعلى إنتاج سائل منوي سليم. ومنها:

    • ضعف الانتصاب
    • سرعة القذف
    • الألم أثناء العلاقة الجنسية
    • المشكلات النفسية أو العلاقاتية التي تعيق العلاقة الجنسية

    1. العمليات الجراحية السابقة : قد تؤدي بعض العمليات الجراحية السابقة إلى مضاعفات تؤثر في الخصوبة لدى الرجل:

    • قطع القناة الناقلة للمني (vasectomie)
    • جراحة الفتق الإربي
    • جراحة الخصيتين أو القنوات الناقلة للحيوانات المنوية
    • جراحة البروستاتا
    • جراحة البطن أو الحوض

    1. بعض الأدوية : قد تسهم بعض الأدوية في الأسباب الرئيسية للعقم لدى الرجل، ومنها:

    • الاستعمال المطوّل للستيرويدات المُسْتَنْبِتة،
    • الأدوية المضادة للسرطان مثل العلاج الكيميائي
    • بعض علاجات القرحة والتهاب المفاصل

    1. العوامل البيئية : تؤدي المواد السامة الموجودة في البيئة، مثل المواد الكيميائية الصناعية والمعادن الثقيلة ومعطّلات الغدد الصماء، دورًا مهمًا ضمن الأسباب الرئيسية للعقم لدى الرجل. وقد ربطت دراسة نُشرت في مجلة «علم الأحياء الإنجابي وعلم الغدد الصماء» (Reproductive Biology and Endocrinology) عام 2018 بين هذه العوامل البيئية وبين تغيّرات في جودة السائل المنوي واضطرابات في الوظيفة الإنجابية لدى الرجال.
    2. نمط الحياة : وفقًا لدراسة حديثة للجمعية الأمريكية للطب الإنجابي، تمثّل العوامل المرتبطة بنمط الحياة ما يصل إلى 50% من حالات العقم لدى الرجل، ومن أبرز مسبّباتها:

    • التدخين
    • تعاطي الكحول والمخدرات
    • الوزن الزائد أو نقص الوزن
    • قلة الحركة
    • الحميات القاسية أو الفقيرة بالعناصر الغذائية
    • التوتر

كيف يتم تشخيص العقم؟ 

يُشخَّص العقم من خلال سلسلة من الفحوص الطبية واختبارات الخصوبة التي تهدف إلى تحديد الأسباب الكامنة لدى المعنيّين.

تشخيص العقم لدى المرأة

بالنسبة إلى النساء، تشمل عملية التشخيص الفحوص الطبية التالية:

    • تحليل الدم : يقيّم هذا التحليل المستويات الهرمونية، مثل الهرمون المنبّه للجريبات (FSH) والهرمون الملوتن (LH) والإستراديول والبروجسترون، للكشف عن أي اختلالات هرمونية قد تؤثر في الخصوبة.
    • الفحص بالموجات فوق الصوتية للحوض : يُجرى الفحص بالموجات فوق الصوتية للحوض لرؤية الأعضاء التناسلية الداخلية، ومنها المبيضان والرحم، بغرض الكشف عن التشوهات البنيوية مثل الأورام الليفية الرحمية وأكياس المبيض والتشوهات الخلقية.
    • تصوير الرحم وقناتي فالوب بالأشعة (HSG) : يقيّم هذا الإجراء التصويري الطبي سالكية قناتي فالوب وشكل الرحم عن طريق حقن مادة ظليلة في الرحم، مما يتيح الكشف عن أي انسداد أو تشوهات قد تعيق الإخصاب. ووفقًا لمراجعة صادرة عن قاعدة بيانات كوكرين للمراجعات المنهجية (Cochrane Database of Systematic Reviews)، يُعدّ تصوير الرحم وقناتي فالوب بالأشعة أداة تشخيصية فعّالة لتقييم سالكية القناتين، ويمكن أن يساعد على التعرف إلى النساء اللواتي توجد لديهن عوامل تشريحية تسهم في العقم.

تشخيص العقم لدى الرجل

بالنسبة إلى الرجال، يشمل التشخيص اختبارات الخصوبة التالية:

    • تحليل السائل المنوي (spermogramme) : يقيّم هذا الاختبار جودة السائل المنوي عبر تحليل معايير مثل حجمه وتركيز الحيوانات المنوية فيه وحركتها وشكلها.
    • اختبار تفتت الحمض النووي (ADN) للحيوانات المنوية : يقيّم هذا الاختبار الأضرار التي تصيب الحمض النووي في الحيوانات المنوية، والتي قد تؤثر في قدرتها على إخصاب البويضة ودعم نمو الجنين.
    • التحليل الهرموني : يمكن إجراء اختبارات هرمونية لتقييم مستويات التستوستيرون وFSH وLH وغيرها من الهرمونات التي تنظّم وظيفة الخصيتين. ووفقًا لمراجعة نُشرت في مجلة «الخصوبة والعقم»، يُعدّ التقييم الهرموني خطوة مهمة في تشخيص العقم لدى الرجل، لأن الاختلالات الهرمونية قد تؤثر في إنتاج الحيوانات المنوية.

من خلال الجمع بين نتائج هذه الفحوص والاختبارات المحددة والتاريخ الطبي للزوجين، يستطيع المختصون في الصحة تحديد الأسباب الكامنة للعقم والتوصية بعلاجات مناسبة لتحسين فرص الحمل.

تواصلوا معنا الآن

ما هي علاجات العقم؟

يمكن علاج العقم علاجًا نوعيًا بحسب العوامل الكامنة لدى النساء والرجال. وفيما يلي لمحة عن مختلف المقاربات العلاجية الملائمة لكل فئة:

علاج العقم لدى المرأة

تهدف علاجات العقم لدى النساء إلى استعادة وظيفة المبيضين و تهيئة بيئة مناسبة للحمل. وقد تشمل:

    • تحفيز الإباضة: يمكن استعمال أدوية مثل سيترات الكلوميفين أو الهرمونات المنشِّطة للغدد التناسلية لتحفيز الإباضة لدى النساء اللواتي لا تحدث لديهن الإباضة بانتظام.
    • الجراحة لعلاج التشوهات الرحمية: قد تلزم تدخلات جراحية لتصحيح مشكلات مثل الأورام الليفية الرحمية أو الالتصاقات أو التشوهات الخلقية للرحم، التي قد تعرقل الحمل.
    • إصلاح قناتي فالوب: في حال انسداد قناتي فالوب أو إصابتهما بتلف، يمكن إجراء تدخل جراحي لاستعادة وظيفتهما وتحسين فرص الحمل الطبيعي.
    • علاج بطانة الرحم المهاجرة: قد يُوصى بالجراحة لاستئصال بؤر بطانة الرحم في حالات بطانة الرحم المهاجرة الشديدة التي تؤثر في الخصوبة.
    • الإخصاب في المختبر (FIV) : الإخصاب في المختبر هو خيار علاجي للنساء اللواتي تكون قناتا فالوب لديهن مسدودتين أو متضررتين، أو اللواتي يعانين من مشكلات في الإباضة أو من بطانة الرحم المهاجرة الشديدة.

علاج العقم لدى الرجل

تهدف علاجات العقم لدى الرجال إلى تحسين جودة السائل المنوي وتشجيع إنتاج الحيوانات المنوية. وقد تشمل:

    • أدوية لتحفيز إنتاج الحيوانات المنوية: يمكن وصف أدوية مثل الهرمونات المنشِّطة للغدد التناسلية لتحفيز إنتاج الحيوانات المنوية لدى الرجال الذين تكون أعدادها لديهم منخفضة.
    • الجراحة لتصحيح التشوهات التشريحية: يمكن للرجال المصابين بانسداد القنوات الناقلة للحيوانات المنوية أو بتشوهات تشريحية أخرى الاستفادة من تدخلات جراحية لاستعادة وظيفة هذه القنوات ومرور الحيوانات المنوية.
    • الحقن المجهري ICSI (الحقن داخل سيتوبلازم الحيوان المنوي): تُستخدم هذه التقنية مع الإخصاب في المختبر للمساعدة على الإخصاب، وذلك بحقن حيوان منوي واحد مباشرة داخل البويضة.

من خلال الجمع بين هذه المقاربات، يستطيع المختصون في الصحة وضع خطة علاجية مخصّصة لكل زوجين بهدف تحسين فرصهما في إنجاب طفل.

تحسين نمط الحياة

إضافة إلى العلاجات الطبية والتدخلات الجراحية، قد يُوصى أيضًا بإجراء تغييرات في نمط الحياة لتحسين الخصوبة. ومن ذلك:

    • التغذية المتوازنة: بيّنت دراسات أن بعض العادات الغذائية، مثل تناول أغذية غنية بمضادات الأكسدة، قد تعزز الصحة الإنجابية.
    • النشاط البدني: يمكن للتمارين المنتظمة أن تساعد على الحفاظ على وزن صحي وتخفيف التوتر، مما قد يكون له أثر إيجابي في الخصوبة.
    • إدارة التوتر: قد يخلّ التوتر المزمن بالهرمونات الإنجابية، ولذلك يُنصح بممارسة تقنيات إدارة التوتر مثل التأمل واليوغا أو العلاج النفسي.

خاتمة

إن فهم الجوانب المتعددة للعقم أمر أساسي للأفراد والأزواج الذين يمرّون بهذه المحنة، ولمن يسعون إلى دعمهم في هذا المسار الذي كثيرًا ما يكون صعبًا.

بفضل تقدّم الطب الحديث وتطور البحث العلمي، تتوفر اليوم خيارات عديدة لمساعدة الأزواج على تحقيق حلمهم بالأبوّة والأمومة. فمن العلاجات الطبية والجراحية إلى تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA) ، مرورًا بتعديل نمط الحياة، صُمّم كل أسلوب لتلبية الاحتياجات الخاصة بكل شخص.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون العقم مصدر خجل أو وصم، بل تحدّيًا يمكننا مواجهته معًا لتحقيق رغبتكم في تكوين أسرة.

تواصلوا معنا الآن

Leave a reply