الحمل الطبيعي مقابل المساعدة الطبية على الإنجاب: ما يجب أن تعرفوه
مقدمة
يمثّل السعي إلى الأبوة والأمومة إحدى أعمق رغبات كثير من الأزواج. وأمام تحديات الحمل، يوجد طريقان: الحمل الطبيعي والمساعدة الطبية على الإنجاب (PMA). ولكل من المقاربتين آفاقها ومزاياها ورهاناتها الخاصة.
سنتناول في هذا المقال بالتفصيل هذين الطريقين نحو الأبوة والأمومة، ونتعرّف على مسارهما وانعكاساتهما ونسب نجاح كل منهما. وسواء كنتم تفكرون في تكوين أسرة أو تواجهون صعوبات في الخصوبة، فإن فهم هذين الخيارين أمر أساسي لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن مشروعكم في أن تصبحوا آباءً.
الحمل الطبيعي
تعريف الحمل الطبيعي
يحدث الحمل الطبيعي، بحسب منظمة الصحة العالمية (OMS)، عندما تقع علاقة جنسية دون وسائل منع الحمل خلال فترة خصوبة المرأة، أي عادةً حول وقت الإباضة، ولا يتطلب أي تدخل طبي.
المراحل الأساسية لعملية الإنجاب الطبيعي
لفهم معجزة الحياة البشرية فهمًا كاملًا، لا بد من التمعّن في المراحل الخمس الحاسمة لعملية الإنجاب الطبيعي، من الإباضة حتى انغراس الجنين في الرحم.
- الإباضة : الإباضة هي العملية التي يخرج فيها من مبيض المرأة بويضة ناضجة. وتحدث هذه الظاهرة عادةً في منتصف الدورة الشهرية تقريبًا، مع أن التفاوت شائع من امرأة إلى أخرى. وبحسب دراسات أجرتها منظمة الصحة العالمية (OMS)، تحدث الإباضة بين اليوم 12 واليوم 16 من الدورة الشهرية لدى النساء اللواتي لديهن دورة منتظمة مدتها 28 يومًا.
- التقاء البويضة بالحيوان المنوي: بعد الإباضة، تظل البويضة قابلة للإخصاب خلال فترة قصيرة نسبيًا، تتراوح بين 12 و24 ساعة. وخلال هذه الفترة، يمكن أن تبقى الحيوانات المنوية حيّة في المسالك التناسلية الأنثوية عدة أيام، في انتظار الإباضة لتخصيب البويضة..
- الإخصاب : يحدث الإخصاب عندما يخترق حيوان منوي البويضة ويندمج معها، فينشأ كائن جديد يسمى اللاقحة (zygote). وتُحدث هذه العملية تغيرات كيميائية حيوية في البويضة تمنع دخول حيوانات منوية أخرى. وتضمن هذه الآليات أن يخصّب البويضةَ حيوانٌ منوي واحد فقط (monospermie)، مما يؤمّن النمو الطبيعي للجنين.
- تكوّن الجنين : بعد الإخصاب، تبدأ اللاقحة بالانقسام المتكرر وهي تنتقل على طول قناة فالوب نحو الرحم. وتمرّ بعدة مراحل نمو، منها التوتية (morula)، وهي كتلة من الخلايا غير المتمايزة، والأريمة (blastocyste)، وهي بنية مجوفة تحتوي على خلايا جنينية.
- انغراس الجنين في الرحم : بعد وصولها إلى الرحم، تنغرس الأريمة في جدار الرحم، وهي عملية حاسمة لاستمرار الحمل. ويتوقف نجاح الانغراس على عوامل عديدة، منها سلامة الجنين والرحم. وبحسب معطيات الجمعية الأمريكية للحمل (American Pregnancy Association)، يحدث انغراس الجنين بين 6 و10 أيام بعد الإباضة.
تحديات الحمل الطبيعي
الحمل الطبيعي غير مضمون بنسبة 100%. فبحسب وكالة الطب الحيوي (Agence de la Biomédecine)، يتفاوت احتمال حمل المرأة تفاوتًا كبيرًا بحسب سنها:
- 25% في سن 25 سنة،
- 12% في سن 35 سنة
- و6% فقط في سن 42 سنة
وإضافةً إلى ذلك، ووفقًا للمعهد الوطني للصحة والبحث الطبي (INSERM) ومنظمة الصحة العالمية (OMS)، يعاني نحو 10% إلى 15% من الأزواج في العالم من العقم ويواجهون صعوبات في الحمل بعد سنتين من المحاولات.
يمكن أن تصيب مشكلات الخصوبة الرجال والنساء على حد سواء. فـالعقم عند الرجل، الذي يتميز خصوصًا بمشكلات مثل انعدام النطاف وقلة النطاف، والعقم عند المرأة، المرتبط غالبًا باضطرابات مثل بطانة الرحم المهاجرة ومتلازمة المبيض المتعدد الكيسات، واقعان يواجههما كثير من الأزواج.
وبحسب وكالة الطب الحيوي (Agence de la Biomédecine)، فإن مشكلات العقم ذات أصل ذكوري في 20% من الحالات وذات أصل أنثوي في 30% من الحالات. ويرتبط نحو 40% من الحالات بمشكلات مشتركة، بينما تظل 10% منها غير مفسَّرة.
المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA)
تعريف المساعدة الطبية على الإنجاب
المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA) تشمل مجموعة من التقنيات الطبية المصمَّمة لمساعدة الأزواج الذين يجدون صعوبة في الحمل الطبيعي على تحقيق رغبتهم في الأبوة والأمومة.
وبحسب الجمعية الأوروبية للتكاثر البشري وعلم الأجنة (ESHRE)، تُعرَّف المساعدة الطبية على الإنجاب بأنها «استخدام تقنيات طبية لمساعدة المرأة على أن تصبح حاملًا». ويمكن أن تشمل هذه التقنيات الإخصاب في المختبر (FIV)، والتلقيح الاصطناعي، والحقن المجهري داخل سيتوبلازم البويضة للحيوانات المنوية (ICSI)، والتبرع بالأمشاج، والتبرع بالأجنة، وغيرها من الإجراءات المتخصصة.
متى ينبغي التفكير في المساعدة الطبية على الإنجاب؟
يُنظر في المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA) عندما تستمر مشكلات الخصوبة لدى الزوجين رغم محاولات العلاج الطبي التقليدي، كأدوية الخصوبة أو الجراحة.
وتشير دراسات حديثة، مثل تلك المنشورة في مجلة (Journal of Assisted Reproduction and Genetics)، إلى أن المساعدة الطبية على الإنجاب تصبح خيارًا موصى به بعد أن تثبت التدخلات الأخرى عدم جدواها، خصوصًا لدى الأزواج الذين يعانون مشكلات خصوبة مستمرة، سواء كان سببها معروفًا أو غير معروف.
كما يشير بحث أجرته الجمعية الأمريكية للطب الإنجابي (American Society for Reproductive Medicine) إلى أنه يمكن التفكير في المساعدة الطبية على الإنجاب في وقت أبكر لدى الأزواج الأكبر سنًا، إذ تتراجع فرص الحمل الطبيعي بسرعة.
وخلاصة القول إن قرار التفكير في المساعدة الطبية على الإنجاب يتوقف على عدة عوامل فردية، وغالبًا ما تلزم استشارة مختص في الخصوبة لتحديد أفضل خطة علاج لكل زوجين.
مختلف تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب المتاحة
- الإخصاب في المختبر (FIV) : الإخصاب في المختبر (FIV) تقنية شائعة من تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA). وتقوم على تحفيز المبيضين لإنتاج عدة بويضات، ثم تُجمع بسحبها من الجريبات. وتُخصَّب هذه البويضات في المختبر بالسائل المنوي للشريك أو لمتبرع، ثم تُنقل الأجنة الناتجة إلى رحم المرأة في محاولة لحدوث الحمل.
- التلقيح داخل الرحم (IIU) : تُعرف أيضًا باسم التلقيح الاصطناعي، وتقوم هذه التقنية على وضع سائل منوي معالَج مباشرة في رحم المرأة وقت الإباضة. ويمكن إجراؤها بالسائل المنوي للشريك الذكر أو بسائل منوي لمتبرع، بحسب وضع الزوجين.
- الحقن المجهري داخل سيتوبلازم البويضة للحيوانات المنوية (ICSI) : تُستخدم هذه التقنية عندما تكون جودة السائل المنوي ضعيفة. يُحقن حيوان منوي واحد مباشرة في بويضة ناضجة في المختبر، مما يزيد فرص الإخصاب.
- التبرع بالأمشاج : التبرع بالأمشاج يعني استخدام بويضات أو حيوانات منوية من متبرع، إما لأن أحد الشريكين لا يملك أمشاجًا صالحة، وإما لتفضيل شخصي. وتُستخدم أمشاج المتبرع في الإخصاب في المختبر أو التلقيح داخل الرحم، بحسب احتياجات الزوجين.
- التبرع بالأجنة : في بعض الحالات، يمكن للأزواج تلقّي أجنة يتبرع بها أزواج آخرون نجح علاجهم بالمساعدة الطبية على الإنجاب ولديهم أجنة فائضة يختارون تقاسمها مع أشخاص آخرين يجدون صعوبة في الحمل.
- إنضاج البويضات في المختبر (MIV) : تقوم هذه التقنية على إنضاج البويضات في المختبر قبل الإخصاب، وقد تفيد النساء اللواتي لديهن مشكلات في نضج البويضات أو اللواتي لا يستطعن الخضوع لتحفيز مبيضي مطوّل من أجل الإخصاب في المختبر.
وتُكيَّف هذه التقنيات المختلفة بحسب الاحتياجات الخاصة بكل زوجين، وتُستخدم ضمن خطة علاج شخصية يضعها الفريق الطبي في عيادة الخصوبة.
الحمل الطبيعي مقابل المساعدة الطبية على الإنجاب
في مسار تكوين الأسرة، قد يجد الأزواج أنفسهم أمام خيارات بين الحمل الطبيعي والمساعدة الطبية على الإنجاب (PMA). وفيما يلي جدول مقارنة بين الخصائص الرئيسية لكل مقاربة:
| الجانب | الحمل الطبيعي | المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA) |
| مسار الحمل | مسار طبيعي تلقائي تُخصَّب فيه البويضة بالحيوان المنوي أثناء علاقة جنسية | مسار يتضمن اللجوء إلى تقنيات طبية لتسهيل الحمل، مثل الإخصاب في المختبر والتلقيح الاصطناعي وغيرهما |
| التحكم في توقيت الحمل | يحدث الحمل بصورة طبيعية، دون تدخل خارجي للتحكم في توقيته | تتيح المساعدة الطبية على الإنجاب تحكمًا أدق في توقيت الحمل، وقد يفيد ذلك بعض الأزواج، لكنه قد يحدّ أيضًا من العفوية |
| مستوى التدخل الطبي | لا حاجة إلى أي تدخل طبي، إلا في حال حدوث مضاعفات أثناء الحمل | يتطلب متابعة طبية دقيقة طوال المسار، من تحفيز المبيضين إلى متابعة الحمل |
| مدة المسار | يحتاج الحمل الطبيعي إلى وقت أطول | مسار أسرع بآجال محددة لعلاجات المساعدة الطبية على الإنجاب |
| خيارات اختيار الجنس | لا إمكانية لاختيار جنس الطفل | إمكانية اختيار جنس الطفل في بعض إجراءات المساعدة الطبية على الإنجاب |
| إمكانية الوصول | متاح لجميع الأزواج الذين يتمتعون بالخصوبة | يخضع لمعايير أهلية، وقد لا يتوفر في جميع المناطق |
| الكلفة المالية | أقل كلفة، باستثناء رعاية ما قبل الولادة والتكاليف المرتبطة بالحمل | أعلى بسبب المصاريف الطبية وأدوية تحفيز المبيضين والإجراءات المخبرية وغيرها |
| المخاطر الصحية | مخاطر طبيعية مرتبطة بالحمل والولادة، مثل خطر الإجهاض التلقائي ومضاعفات الحمل. | مخاطر مرتبطة بالإجراءات الطبية والعلاجات الهرمونية والحمل المتعدد. |
| المخاطر على الطفل | مخاطر أقل لحدوث مضاعفات خلقية مرتبطة بالحمل الطبيعي | خطر مرتفع لبعض المضاعفات الخلقية لدى الأطفال المولودين بالمساعدة الطبية على الإنجاب، مع أن معظمهم يتمتعون بصحة جيدة |
| الأثر النفسي | توتر أقل مرتبط بالتدخلات الطبية . | توتر أكبر بسبب العلاجات الطبية والتوقعات والنتائج غير المؤكدة |
| الأثر على العلاقة الزوجية | قد يعزز علاقة الزوجين أثناء مسار الحمل | قد يتسبب أحيانًا في توتر وخلافات في العلاقة بسبب ضغط العلاجات والنتائج |
| الأخلاقيات | تُعدّ طريقة طبيعية ومقبولة أخلاقيًا في جميع الثقافات والأديان | قد تثير تساؤلات أخلاقية بسبب التدخل الطبي والتعامل مع عمليات التكاثر |
| الدين | تقبلها بعض الأديان التي تعلي من شأن الإنجاب الطبيعي والأسرة | قد تعترض عليها بعض الأديان بسبب التعامل مع عملية الحمل والأجنة |
| نسبة النجاح | تتوقف على عوامل متعددة مثل السن والحالة الصحية وغيرها. | تتفاوت نسب نجاح الحمل بالمساعدة الطبية على الإنجاب (PMA) بحسب عدة عوامل، منها سن المرأة وسبب العقم ونوع تقنية المساعدة الطبية على الإنجاب المستخدمة. |
الخلاصة
يوفّر كل من الحمل الطبيعي والمساعدة الطبية على الإنجاب (PMA) طريقًا نحو الأبوة والأمومة، ولكل منهما مزاياه وتحدياته وانعكاساته الخاصة.
وأيًّا كان الطريق المختار، فمن المهم للأزواج أن يستعلموا ويستشيروا المختصين في الصحة، وأن يتخذوا قرارات مستنيرة تتوافق مع احتياجاتهم وقيمهم. وفي النهاية، كل ولادة معجزة فريدة وثمينة، ورمز لحب الوالدين وأملهم وصبرهم وهم يستقبلون طفلهم في هذا العالم.
Leave a reply
Les plus commentés