Human Reproduction 7

العقم عند الرجل: الأسباب والعواقب

العقم عند الرجل واقع ظلّ مهمَلًا طويلًا في النقاش حول الخصوبة. فغالبًا ما يُربط هذا المشكل بالمرأة وحدها، في حين أنه من المهم الإقرار بأن خصوبة الرجال تلعب بدورها دورًا كبيرًا في صعوبات الإنجاب.

بحسب منظمة الصحة العالمية (OMS)، يواجه 15% من الأزواج في العالم صعوبة في الإنجاب، وفي نصف هذه الحالات يعود العقم إلى الرجل.
كما يشير مقال في المجلة الدولية لعلم الذكورة (Revista Internacional de Andrología) إلى أن العقم عند الرجل يسهم في 50% من حالات عقم الأزواج.

واليوم، تتيح التطورات الطبية الحديثة فهمًا أعمق للأسباب الكامنة وراء هذه الحالة، مما يفتح الباب أمام حلول فعالة.

يستعرض هذا المقال مختلف الأسباب والعواقب المرتبطة بالعقم عند الرجل.

 

ما المقصود بالعقم عند الرجل؟

العقم عند الرجل، بحسب تعريف منظمة «الرجل السليم» (Healthy Male)، هو عجز الرجل عن إحداث حمل لدى امرأة خصبة بعد مرور سنة على الأقل من العلاقات الجنسية المتكررة دون وسيلة منع الحمل.

يُستعمل مصطلح العقم عند الرجل لتصنيف العقم عندما يكون معلومًا أن الشريكة خصبة.

ما هي أسباب العقم عند الرجل؟

تتعدد أسباب العقم عند الرجل، وقد تنتج عن عوامل بيولوجية وبيئية ووراثية مختلفة. فلنتعرّف عليها عن قرب.

1. مشاكل الحيوانات المنوية

  • قلة النطاف: قد يكون انخفاض عدد الحيوانات المنوية ناتجًا عن عوامل مختلفة، مثل الالتهابات أو الاضطرابات الهرمونية أو حتى التعرض لمواد سامة.

وفق معايير منظمة الصحة العالمية (OMS)، تُعرَّف قلة النطاف بأن يقلّ عدد الحيوانات المنوية عن 15 مليونًا في المليلتر (ml) من السائل المنوي، أو عن 39 مليونًا في كامل القذفة.

  • ضعف حركة النطاف (ويسمى أيضًا asthénozoospermie): قد يعوق ضعف حركة الحيوانات المنوية قدرتها على السباحة نحو البويضة لإخصابها.
  • تشوه النطاف: قد تجعل التشوهات في شكل الحيوانات المنوية، كالشكل غير المنتظم، من الصعب عليها اختراق البويضة.

أظهرت دراسات حديثة أجريت في عدة مناطق من العالم تراجعًا في جودة السائل المنوي لدى الرجال. فعلى سبيل المثال، كشف تحليل تجميعي (méta-analyse) نُشر في مجلة «تحديث الإنجاب البشري» (Human Reproduction Update) سنة 2017 عن انخفاض ملحوظ في تركيز الحيوانات المنوية وفي حركتها لدى الرجال في البلدان الغربية خلال العقود الأخيرة.

2. الاضطرابات الهرمونية

  • قصور الغدد التناسلية (Hypogonadisme): قد يؤدي نقص إنتاج هرمون التستوستيرون إلى انخفاض إنتاج الحيوانات المنوية.
  • فرط برولاكتين الدم (Hyperprolactinémie): قد يؤدي ارتفاع مستويات البرولاكتين، وهو هرمون منظِّم، إلى اختلال التوازن الهرموني اللازم لإنتاج الحيوانات المنوية.

3. المشاكل التشريحية

  • انسداد المسالك المنوية: قد تنتج الانسدادات في القنوات الناقلة للحيوانات المنوية عن التهابات سابقة أو عيوب خلقية أو إصابات.
  • دوالي الخصية: قد يؤدي توسع الأوردة في كيس الصفن إلى ارتفاع حرارة الخصية، مما يضر بإنتاج الحيوانات المنوية (كمًّا ونوعًا).

وهي السبب القابل للعلاج الأكثر شيوعًا للعقم عند الرجل. وبحسب دراسة نُشرت سنة 2014 في مجلة علم الذكورة (Journal of Andrology)، فإنها تصيب 15 إلى 20% من الذكور البالغين.

  • الإحليل التحتاني (Hypospadias): فتحة مجرى البول في الجهة السفلية من القضيب

4. الالتهابات

يمكن أن يكون لالتهابات الجهاز التناسلي أثر سلبي في خصوبة الرجل، مثل التهابات المسالك البولية، والأمراض المنقولة جنسيًا (IST) كالكلاميديا والسيلان، والالتهابات الفيروسية كالهربس وفيروس نقص المناعة البشرية (VIH).

ورغم أن بعض الالتهابات قد تسبب تلفًا دائمًا في الخصيتين، فإنه لا يزال بالإمكان استخراج الحيوانات المنوية.

5. وجود أجسام مضادة للحيوانات المنوية

الأجسام المضادة للحيوانات المنوية هي عناصر من الجهاز المناعي تتعرف خطأً على الحيوانات المنوية كأنها أجسام غازية ضارة، وتحاول القضاء عليها.

6. مشاكل في العلاقة الجنسية

  • صعوبة في الحفاظ على انتصاب كافٍ للعلاقة الجنسية أو تحقيقه (ضعف الانتصاب)
  • القذف المبكر
  • الآلام أثناء العلاقة الجنسية
  • مشاكل نفسية أو علائقية تعوق العلاقة الجنسية

7. العمليات الجراحية السابقة

قد تمنع بعض التدخلات الجراحية وجود الحيوانات المنوية في القذفة، ومنها قطع القناة الناقلة للمني (vasectomie)، والعمليات على كيس الصفن أو الخصيتين، وعمليات البروستاتا، والعمليات الكبرى في البطن التي تُجرى لعلاج سرطان الخصية والمستقيم، وغيرها.

8. بعض الأدوية

قد تؤثر بعض الأدوية في إنتاج الحيوانات المنوية وتُنقص خصوبة الرجل: العلاج التعويضي بالتستوستيرون، والاستعمال الطويل للستيرويدات البنائية، والأدوية المضادة للسرطان (العلاج الكيميائي)، وبعض أدوية القرحة، وبعض أدوية التهاب المفاصل، وغيرها.

9. العوامل البيئية

قد يؤدي التعرض للمواد السامة (المواد الكيميائية الصناعية أو المعادن الثقيلة أو الإشعاعات) إلى تراجع جودة السائل المنوي.

10. نمط الحياة

  • التدخين: يرتبط استهلاك التبغ بانخفاض جودة السائل المنوي وضعف حركة الحيوانات المنوية،
  • الكحول والمخدرات: قد يؤثر الإفراط في تناول الكحول وبعض المخدرات أيضًا في خصوبة الرجل،
  • عوامل أخرى: زيادة الوزن أو نقصه، وقلة الحركة، والحميات القاسية أو الناقصة، وارتفاع مستوى التوتر المزمن …

تواصلوا معنا الآن

ما هي عواقب العقم عند الرجل؟

قد يكون للعقم عند الرجل أثر عميق ومتعدد الجوانب، ليس على الصحة الجسدية فحسب، بل أيضًا على الصحة العاطفية والعلاقات الشخصية وتطلعات المستقبل.

فلنتعرّف على هذه العواقب بمزيد من التفصيل.

الأثر العاطفي والنفسي

قد يثير العقم عند الرجل مجموعة من المشاعر المعقدة، من الإحباط إلى الغضب وصولًا إلى الاكتئاب.

قد يشعر الرجال بضغط شديد لمواصلة نسل العائلة، وقد يربطون قيمتهم الشخصية بقدرتهم على الإنجاب. وقد تزداد الضائقة العاطفية بسبب تكرار فشل محاولات الحمل.

استكشفت دراسة بعنوان «الأثر النفسي للعقم ذي العامل الذكري: مراجعة للأدبيات» (Psychological impact of male factor infertility: a review of the literature)، نُشرت في مجلة «تحديث الإنجاب البشري» سنة 2016، الانعكاسات النفسية للعقم عند الرجل بعمق. وأبرزت هذه الدراسة جوانب متعددة، منها الضائقة النفسية والاكتئاب والقلق والتوتر، وتأثير ذلك في جودة حياة الرجال الذين يواجهون العقم.

الضغوط الاجتماعية والثقافية

للمجتمعات توقعات صارمة في مجال التكاثر، إذ تركّز على الرجولة والقدرة على تكوين أسرة.

قد يواجه الرجال الذين يعانون من العقم أحكامًا اجتماعية ووصمة أو سوء فهم من المحيطين بهم. وقد تتحول الأسئلة الحسنة النية عن الأسرة إلى مصدر إضافي للتوتر، لأن الرجال قد يشعرون بأنهم محل حكم أو أنهم غير مفهومين.

الضغط على العلاقة بين الزوجين

قد يمارس العقم عند الرجل ضغطًا كبيرًا على العلاقة بين الشريكين. فقد يؤدي الإحباط والخيبة إلى فترات من التوتر والانسحاب العاطفي، بل وإلى خلافات في العلاقة.

كما قد يشعر الزوجان بالعزلة في مواجهة هذه المحنة، خاصة وأن الحديث عن العقم لا يزال محاطًا بالوصمة.

اضطراب الحميمية

قد تتأثر الحميمية داخل الزوجين بسبب الضغط المستمر المرتبط بالإنجاب. فقد تصبح العلاقات الجنسية أقل عفوية وأكثر «وظيفية»، تتمحور حول تحقيق الحمل لا حول ازدهار العلاقة.

وقد يؤدي هذا التركيز الشديد على الإنجاب أيضًا إلى انخفاض المتعة الجنسية، فيتحول ما هو حميم إلى مهمة مرهقة.

صعوبة اتخاذ القرار

قد يدفع العقم الزوجين إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن مواصلة العلاجات، أو التبني، أو قبول عدم إنجاب أطفال بيولوجيين. وقد تحيط بهذه القرارات مشاعر معقدة وأحزان لم تُحسم، مع الحاجة إلى إعادة ضبط التوقعات وأهداف الحياة.

الحاجة إلى دعم نفسي

الدعم النفسي ضروري لمواجهة العواقب العديدة المرتبطة بالعقم عند الرجل.

يمكن للرجال وللأزواج الاستفادة من إرشاد مهني لمعالجة الجوانب العاطفية والعلائقية المرتبطة بهذه الحالة. ويمكن أن تؤدي مجموعات الدعم وموارد الصحة النفسية دورًا حاسمًا في التعامل مع التوتر وتعزيز العافية النفسية.

علاج العقم عند الرجل

1. الأدوية

يمكن وصف بعض الأدوية لعلاج مشاكل محددة مرتبطة بالعقم عند الرجل.

فعلى سبيل المثال، يمكن إعطاء هرمونات لتصحيح اختلال المستويات الهرمونية، ووصف أدوية لعلاج التهابات الجهاز التناسلي.

2. الجراحة

قد تُوصى الجراحة في حالة بعض الاضطرابات البنيوية، مثل دوالي الخصية. فالتصحيح الجراحي لدوالي الخصية قد يحسّن جودة السائل المنوي بإعادة تدفق الدم إلى طبيعته في منطقة الخصية.

كما قد تلزم تدخلات جراحية لإزالة الانسدادات في المسالك المنوية.

3. المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA)

تضم المساعدة الطبية على الإنجاب (PMA) عدة تقنيات متقدمة تمنح الأمل للأزواج الذين يواجهون تحديات في الخصوبة، من خلال تيسير الإنجاب والحمل:

  • التلقيح الاصطناعي (IA): تُحضَّر الحيوانات المنوية في المختبر ثم تُدخل مباشرة في رحم المرأة خلال فترة الخصوبة، مما يزيد فرص الحمل.
  • الإخصاب في المختبر (FIV): تقوم هذه التقنية على إخصاب البويضات بالحيوانات المنوية خارج الجسم، ثم نقل الجنين الناتج إلى الرحم.

4. العلاج الهرموني

بالنسبة للرجال المصابين بقصور الغدد التناسلية، يمكن إعطاء هرمونات مثل التستوستيرون لاستعادة التوازن الهرموني.

5. تغيير نمط الحياة

للعادات الحياتية دور حاسم في الصحة الإنجابية عند الرجل. وفيما يلي أهم التغييرات في نمط الحياة التي قد تؤثر في الخصوبة وجودة السائل المنوي:

  • الإقلاع عن التدخين وتقليل استهلاك الكحول قد يحسّنان جودة السائل المنوي والخصوبة.
  • كما أن تقنيات إدارة التوتر، مثل التأمل والاسترخاء، قد يكون لها أثر إيجابي في الخصوبة.

6. الإرشاد والدعم النفسي

قد تكون مواجهة العقم صعبة من الناحية العاطفية. ويمكن للإرشاد النفسي (counseling) أن يساعد الزوجين على التعامل مع التوتر والمشاعر المرتبطة بهذا التحدي.

من المهم التنبيه إلى أن اختيار العلاج يتوقف على السبب الكامن وراء العقم عند الرجل. ويُنصح باعتماد مقاربة شخصية وبالحصول على الدعم المناسب.

الخاتمة

العقم عند الرجل مشكلة طبية معقدة قد تكون لها انعكاسات عميقة على حياة الرجل وشريكته.

إن ازدياد الوعي، واستمرار البحوث، والتقدم في العلاجات، كلها تمنح الأمل للأزواج الذين يواجهون هذا التحدي، وتتيح حلولًا مخصصة وواعدة.

تواصلوا معنا الآن

 

 

Leave a reply