ما بعد الانتظار: فهم العقم للتصرف بشكل أفضل

عوامل الخطر والوقاية والصحة النفسية: مفاتيح تحسين الخصوبة

الرغبة في إنجاب طفل حلم طبيعي لدى كثير من الأزواج. غير أن هذا الحلم يصطدم، لدى زوجين تقريبًا من كل ستة، بواقع العقم. وهذه التجربة الصعبة، التي كثيرًا ما تكون مصدرًا للتوتر والقلق والإحباط، لا ينبغي أن تحطم الآمال. فمعرفة أسباب العقم، واعتماد إجراءات وقائية، والعناية بالصحة النفسية، كلها خطوات أساسية لتحسين فرص الحمل وتحقيق حلم الأبوّة والأمومة.

في هذا المقال، سنستعرض مختلف جوانب العقم، من خلال تناول عوامل الخطر ووسائل الوقاية وأهمية الحالة النفسية الجيدة في دعم الخصوبة. كما سنرشدكم إلى موارد وحلول ترافقكم في هذا المسار نحو الأبوّة والأمومة.

فهم الفروق الدقيقة في الصحة الإنجابية بين الخصوبة وضعف الخصوبة والعقم

يتطلب فهم الفروق الدقيقة المتعلقة بمشكلة الحمل توضيح عدة مصطلحات :

  • الخصوبة تُعرَّف بأنها قدرة الزوجين على الحمل ومواصلة الحمل حتى نهايته.  
  • ضعف الخصوبة (subfertilité) يتمثل في صعوبة إنجاب الزوجين لطفل. وغالبًا ما يرتبط بانخفاض الخصوبة لدى أحد الشريكين أو كليهما. 
  • العقم تعرّفه منظمة الصحة العالمية (OMS) بأنه حالة طبية لا يتحقق فيها حمل سريري بعد 12 شهرًا من العلاقات الجنسية المنتظمة غير المحمية. ويحدث بسبب اضطرابات في القدرة الإنجابية لدى أحد الشريكين أو لدى الزوجين معًا.
    .
  • العقم التام (stérilité) حالة دائمة لا رجعة فيها من العقم يستحيل معها الحمل الطبيعي.

وفضلًا عن ذلك، فإن التمييز بين العقم الأولي والعقم الثانوي بالغ الأهمية. يحدث العقم الأولي عندما لا ينجح الزوجان في الحمل بعد 12 شهرًا من المحاولة، رغم عدم وجود أطفال سابقين. أما العقم الثانوي فيخص الأزواج الذين، بعد أن رُزقوا بطفل واحد أو أكثر، يواجهون صعوبة في الحمل مجددًا.

وبحسب مقال حول العقم والصحة النفسية نشرته جامعة كامبريدج (Cambridge)، يُعدّ نحو زوجين من كل ستة أزواج ضعيفي الخصوبة أو منخفضي الخصوبة. وبحسب دراسة أخرى نُشرت عن مركز المساعدة الطبية على الإنجاب بجامعة لييج (Université de Liège)، يبلغ متوسط احتمال الحمل في الدورة الواحدة نحو 25%، مما يعني أن أغلب الأزواج ذوي الخصوبة الطبيعية سينجحون في الحمل بعد نحو ثلاث سنوات من المحاولات المنتظمة.

وخلاصة القول إن فهم دقائق الخصوبة البشرية أساسي لمن يواجهون صعوبات في الحمل. فبتعريفات واضحة وبيانات إحصائية وجيهة، يمكننا إدراك تعقيدات هذا المجال بشكل أفضل واستكشاف حلول فعّالة لمساعدة من يسعون إلى تكوين أسرة.

التعرّف على عوامل خطر العقم

من المهم الإشارة إلى أن الخصوبة قد تتأثر بعدة عوامل.
فبحسب مقال نشرته جامعة بوخارست (Université de Bucarest) عام 2021 حول الأثر النفسي للعقم، تؤثر عوامل كثيرة في الخصوبة الطبيعية للزوجين، من بينها :

  • سن الإنجاب : تتراجع جودة الخصوبة لدى النساء عمومًا ابتداءً من سن 25-30 عامًا، ويصبح توقّع الخصوبة غير مناسب بعد سن 35 عامًا. 
  • اضطرابات الجهاز التناسلي : وتشمل حالات مثل الاضطرابات الخلقية والتشوهات التشريحية وبطانة الرحم المهاجرة والسلائل والمشكلات العضلية في الغدد التناسلية. 
  • العدوى التناسلية أو الأمراض المنقولة جنسيًا : يمكن أن يكون لهذه العدوى أثر سلبي في الخصوبة، إذ تؤثر في جودة الحيوانات المنوية لدى الرجال وفي عمل الأعضاء التناسلية لدى النساء. 
  • الاختلالات الهرمونية : وتشمل أمراضًا مثل قصور الغدة الدرقية وفرط البرولاكتين في الدم، التي قد تعطّل العمل الطبيعي للجهاز التناسلي. 
  • التدخين وتناول الكحول : قد يقلّل التدخين الخصوبة لدى الرجال والنساء، بينما قد يؤثر تناول الكحول أيضًا في جودة السائل المنوي لدى الرجال. 
  • السمنة وسوء التغذية : قد تزيد السمنة، خاصة في سياق متلازمة المبيض المتعدد الكيسات، من خطر العقم لدى النساء. 
  • العنف الجنسي : النساء اللواتي لديهن سوابق صدمة نفسية مرتبطة بالاعتداء الجنسي يكون خطر العقم لديهن أعلى بثلاث مرات. 
  • اختلال وظيفة الخصيتين وجودة السائل المنوي : قد تؤثر المشكلات الصحية في الخصيتين وجودة السائل المنوي أيضًا في الخصوبة لدى الرجال.
  • التجارب الحياتية السلبية : قد يؤثر التوتر المزمن في الوظيفة الإنجابية بإخلاله بالهرمونات وإضعافه الخصوبة. كما قد يكون للتجارب الحياتية السلبية المبكرة أثر في الخصوبة على المدى البعيد.

يعود العقم إلى سبب ذكري في نحو 50% من الحالات، مع اختلافات بحسب مناطق العالم. ومع مراعاة عوامل الخطر هذه، يصبح من الضروري للأزواج الذين يفكرون في الحمل اتخاذ إجراءات لتقليل المخاطر وتعزيز خصوبتهم.

نصائحنا للوقاية من العقم

تبقى الوقاية الأولية من العقم، التي كثيرًا ما تُهمَل، نهجًا أساسيًا للحد من حدوثه. وللوقاية من العقم، لا بد من معرفة عوامل خطره واعتماد نمط حياة صحي بتغيير بعض العادات الضارة. والإلمام بالممارسات المفيدة لحمل سليم أمر أساسي لتطبيق استراتيجيات وقائية فعّالة وطلب المساعدة.

ومما ينبغي أيضًا وضعه في الحسبان أن خطر العقم يزداد دائمًا مع التقدم في السن، وأن من أفضل وسائل الوقاية عدم تأخير سن الإنجاب. ومن جهة أخرى، يمكننا أن نقدم لكم نصائح عملية أخرى جديرة بالاعتبار للحفاظ على صحة إنجابية جيدة :

  • حافظوا على وزن صحي : قد تؤثر السمنة أو نقص الوزن في الخصوبة. والحفاظ على وزن جسم صحي قد يساعد على الوقاية من المضاعفات المتعلقة بالإنجاب. 
  • تجنبوا التدخين والكحول : قد يقلّل التدخين والإفراط في تناول الكحول الخصوبة، لدى الرجال والنساء على السواء. 
  • مارسوا نشاطًا بدنيًا منتظمًا : قد تدعم الرياضة المعتدلة التوازن الهرموني وتسهم في خصوبة مثلى.  
  • اعتمدوا نظامًا غذائيًا متوازنًا : قد يدعم النظام الغذائي الغني بالفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات الخالية من الدهون الصحة الإنجابية.  
  • تجنبوا التعرّض للمواد السامة : قلّلوا تعرّضكم للمواد الكيميائية السامة، مثل المبيدات الحشرية ومنتجات التنظيف المنزلية القاسية والمواد الضارة في بيئة العمل، لأنها قد تؤثر سلبًا في الخصوبة. 
  • تحكموا في التوتر : قد يؤثر التوتر المفرط في الهرمونات المرتبطة بالخصوبة. وقد يكون من المفيد ممارسة تقنيات إدارة التوتر مثل التأمل أو اليوغا أو التنفس العميق.

الحفاظ على الصحة النفسية يحسّن الصحة الإنجابية

إن العقم، فضلًا عن آثاره الجسدية، يمثل تحديًا نفسيًا كبيرًا للأزواج الساعين إلى إنجاب طفل. فالتوتر والقلق والاكتئاب قد تؤثر سلبًا في الخصوبة، فتقلّل فرص الحمل وتزيد المسار نحو الأبوّة والأمومة تعقيدًا.

أثر الضغط النفسي في الخصوبة

يخل التوتر المزمن بالتوازن الهرموني، لا سيما بزيادة إنتاج الكورتيزول، وهو هرمون قد يتداخل مع الإباضة ونضج الحيوانات المنوية. وقد بيّنت عدة دراسات وجود ارتباط بين ارتفاع مستوى التوتر وانخفاض الخصوبة لدى النساء والرجال.

وبحسب دراسة نُشرت في مجلة « Human Reproduction »، تقل فرص حدوث الحمل في الدورة الواحدة بنسبة 43% لدى النساء ذوات المستوى المرتفع من التوتر مقارنة بالنساء الأقل توترًا. وكذلك كشفت دراسة أجرتها جامعة كوبنهاغن (Université de Copenhague) أن الرجال الذين يتعرضون لتوتر شديد تكون جودة السائل المنوي لديهم أقل بشكل ملحوظ.

ويضع العقم صلابة العلاقة الزوجية على المحك، فيُضعف التواصل والديناميكية بين الشريكين، وقد يخلق أحيانًا توترات أو خلافات. كذلك، فقد تؤثر الانشغالات المتعلقة بالخصوبة في الرغبة الجنسية لدى الشريكين وتقلّلها. وفي بعض الحالات، يخشى كل من الزوجين أن يجرح الآخر أو ألّا يفهم مشاعره، مما قد يعيق التواصل المفتوح ويولّد شعورًا بالوحدة وسوء الفهم المتبادل.

 

الاعتناء بالعافية لبناء أسرة

إن العناية بالصحة النفسية للفرد وللزوجين معًا أساسية لتحسين فرص إنجاب طفل. وفيما يلي بعض النصائح لإدارة التوتر بشكل أفضل ودعم الخصوبة :

  • ممارسة تقنيات الاسترخاء : قد يهدّئ التأمل واليوغا والتنفس العميق أو العلاج بالاسترخاء (sophrologie) الذهن والجسم، فيقلّل مستوى التوتر. 
  • إعطاء الأولوية لنوم جيد : تخصيص وقت كافٍ لنوم مريح أمر أساسي للصحة النفسية والجسدية.
  • تجنب المواد الضارة : الحد من تناول الكحول والكافيين والتبغ، لأنها قد تزيد التوتر والقلق. 
  • إعطاء الأولوية للتواصل المفتوح : الحوار بانتظام وصدق حول مشاعر كل طرف وتوقعاته ومخاوفه. 
  • التعبير عن الدعم والتعاطف : إظهار الإصغاء والتفهم والود تجاه مشاعر الطرف الآخر. 
  • الاحتفاء باللحظات الإيجابية : التعرّف على أفراح الحياة اليومية الصغيرة والاستمتاع بها، حتى لو لم تكن مرتبطة بالحمل. 
  • تجديد الحياة الجنسية للزوجين : خلق لحظات حميمة بين الزوجين أمر أساسي لتحفيز الرغبة الجنسية ودعم الانسجام بينهما.
    ·

في حال التوتر الشديد، من الضروري استشارة مختص في الصحة النفسية. فقد يساعد الطبيب النفسي أو المعالج على وضع استراتيجيات فعّالة لإدارة التوتر وتحسين العافية العاطفية، مما يعزز فرص تكوين أسرة.

الحمل المرغوب : متى ولماذا نستشير أخصائي العقم؟

عندما تعترض العقبات رغبة الزوجين في استقبال طفل في الأسرة، فقد يولّد ذلك التوتر والإحباط بينهما. ولكن بدل الانغماس في هذه المشاعر، من الضروري إدراك أهمية استشارة أخصائي العقم في بعض الحالات:

  • عدم حدوث الحمل بعد سنة من النشاط الجنسي المنتظم : إذا كنتم تحاولون الحمل منذ سنة دون نجاح، فمن المهم استشارة أخصائي لتقييم خصوبتكم واستكشاف خيارات العلاج. 
  • صعوبات الحمل بعد سن 35 عامًا : تتراجع الخصوبة لدى المرأة طبيعيًا مع التقدم في السن. فإذا كان عمرك يتجاوز 35 عامًا ولم تنجحي في الحمل بعد ستة أشهر من المحاولة، يُنصح باستشارة أخصائي. 
  • سوابق طبية معقدة : إذا كانت لديك أو لدى شريكك سوابق طبية في أمراض النساء أو أمراض الذكورة، مثل عمليات جراحية على الأعضاء التناسلية أو التهابات الحوض أو تشوهات وراثية أو اضطرابات حيض شديدة، فمن المهم استشارة أخصائي لتقييم الأثر المحتمل على خصوبتكما. 
  • الإجهاض التلقائي المتكرر : إذا تعرضتِ لإجهاضين تلقائيين متتاليين، فمن الضروري استشارة أخصائي لتحديد الأسباب المحتملة واستكشاف خيارات العلاج من أجل حمل سليم في المستقبل. 
  • سوابق عائلية لأمراض وراثية : إذا كانت لديك أو لدى شريكك سوابق عائلية لأمراض وراثية خطيرة، فمن المهم استشارة أخصائي لمناقشة المخاطر المحتملة على الإنجاب وخيارات الكشف المتاحة.

إن استشارة أخصائي في هذه الحالات قد تتيح تقييمًا معمّقًا للخصوبة وتفتح إمكانيات علاج مناسبة، مما يساعد على تحقيق حلم إنجاب طفل.

استكشاف أصول العقم

عندما تُعاق الرغبة في الحمل، يتولى أخصائيو العقم سبر الأسرار الكامنة التي تقف في وجه الأبوّة والأمومة. ويدرسون، بما لديهم من معرفة عميقة، المشكلات الهرمونية وعوائق الخصوبة لدى الشريكين، إضافة إلى المؤثرات البيئية. وتشكّل خبرتهم منارة في ظلام الشك، إذ تقدم إجابات ملموسة وتضيء الطريق نحو الأبوّة والأمومة.

اقتراح خطة علاج شخصية

وبعد تحديد الأسباب، يرسم هؤلاء المرشدون في مجال الخصوبة مسارات فريدة نحو الحمل. وتأتي توصياتهم مفصّلة على المقاس، وتقدم مجموعة من العلاجات، من التلقيح الاصطناعي إلى الإخصاب في المختبر. وبينما يستكشفون هذه المسارات الطبية، يؤدي دعمهم العاطفي دورًا أساسيًا، إذ يرافقون الزوجين في موجات الانتظار والأمل.

تحسين الوقت وتقليل التوتر الناتج عن الانتظار

وباستشارة هؤلاء الخبراء، يتجنب الزوجان متاهات الوقت الضائع والقلق. فتُطبَّق الحلول بسرعة، مما يحسّن فرص النجاح ويقصّر الطريق نحو الأبوّة والأمومة. وبفضل فريق كفء ومتعاطف، يشعر الزوجان بالدعم، ويتخلصان من جزء من العبء العاطفي الذي يرافق العقم غالبًا.

إن استشارة أخصائي العقم والبدء في علاج بهدف إنجاب طفل ليست مجرد خطوة طبية، بل عمل يحمل الأمل. فخبرتهم وتعاطفهم يضيئان متاهات العقم المظلمة، ويقودان الزوجين نحو تحقيق أعزّ أحلامهما : استقبال طفل محبوب في حياتهما.

لا تنسوا أنكم لستم وحدكم. فكثيرون يشاركونكم التجربة نفسها، وهناك مهنيون يقفون إلى جانبكم لدعمكم ومساعدتكم على تحقيق حلمكم بتكوين أسرة.

Leave a reply